التكافل العربي
ولكن إذا كان هذا هو شأن الحكومات فما بال المجتمعات العربية؟ ماذا حدث للإنسان العربي؟ إن هناك مفهوماً مهماً يتراجع لديه، وهو مفهوم التكافل. وقد شكل هذا المفهوم ملاذاً أخيراً لحماية الواقع العربي من الكثير من المشكلات التي تتولد عن الأداء الحكومي المستند إلى سياسات فاشلة، فهؤلاء الأطفال الذين يقذف بهم إلى الشارع نتيجة موت العائل أو فقره أو خطئه يعدون ضحايا لتلاشي فكرة التكافل داخل العائلة أو الحي أو العشيرة أو حتى الطبقة، ويبدو أن الحكومات العربية أفلحت في أن تفسد بعض القطاعات من أبناء شعوبها، فتحولت الجمعيات الاجتماعية التي تتكون بجهود أهلية إلى مجرد "سبوبة"! وما أكثر ما تجد اليوم من يبحث عــن عشرين أو ثلاثين يتيماً لينشئ جمعية لرعاية الأيتام "يسترزق" منها، والأدهى من ذلك أن الكثيرين أصبحوا أكثر ميلاً إلى إنشاء جمعيات يمكن أن تحقق "سبابيب" أكثر في مجالات أخرى تدعمها بعض الدول والمؤسسات الدولية الغربية بسخاء، مثل مجال حقوق الإنسان.
إن الحكومات وبعض القطاعات داخل المجتمعات العربيــة تربي وحشاً اسمه "أطفال الشوارع"، يمكن أن يلتهم الجميع في لحظة! ويكفي في هذا السياق أن نشير إلى أن هؤلاء الأطفال -الذين يتحولون بمرور الوقت إلى شباب ورجال- يشكلون وقوداً ضخماً لأعمال عنف وتخريب تعكس تذمراً واضحاً بانت أماراته في العديد من العواصم العربية، ويكفي في هذا السياق أن نشير إلى أن الأحداث التي شهدتها مصر يومي 18 و19 يناير 1977، والتي أطلق عليها الرئيس الراحل أنور السادات "انتفاضة الحرامية"، تم تحريك عمليات النهب والسلب والتدمير فيها من خلال أطفال وشباب الشوارع الذين كانوا يتحركون وقتها بالآلاف، وقد أصبحوا الآن -بفضل سياسات حكوماتنا الرشيدة- يتحركون بالملايين. إنهم ينتشرون داخل كافة المناطق الحيوية داخل المدن العربية، في محطات السكك الحديدية وبالقرب من مراكز صناعة القرار من وزارات ومؤسسات ومجالس تشريعية تحتضنها الشوارع العربية التي يعاني أغلبها من احتقانات مزمنة، وقد تنفجر في لحظة غير متوقعة!.
إن ثقافة المكاتب هي التي خلقت ثقافة أطفال الشوارع، ونعني بثقافة المكاتب نمط التفكير الذي يعتمد على الكلام والثرثرة النظرية أكثر مما يستند إلى معطيات الواقع، كما أن صناعة القرارات في ضوئه تتم بعيداً عن مشكلات وأوجاع الشارع الحقيقية، ولم يعد هناك شك في أن الأيام القادمة ستشهد صراعاً محتدماً بين هاتين الثقافتين داخل المجتمعات العربية.
_________________
